أسعد السحمراني
20
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
هو الوجدان ، . . . هو الذي قضى ، قبل نشأة علم الأخلاق ، بأن يسلك المرء سبلا معينة أصبحت فيما بعد أعرافا يعتبر التزامها مسلكا أخلاقيا ويعتبر الخروج عنها مسلكا غير أخلاقي ، ومن هنا نشأ ما ندعوه الفضيلة وما ندعوه الرذيلة . ومع الأيام تبلور علم الأخلاق بوصفه فلسفة عملية تزودنا بالمقياس الذي به نقوّم أعمال الإنسان ، وتغرينا بالتعلّق بالمثل العليا التي يتحقّق بها الخير لذواتنا وللناس من حولنا . نخلص مما تقدّم للقول : إن الأخلاق إذا ، ليست موقفا وصفيا لما حصل من أفعال أو سلوك ، وإنما هي مبادئ وقواعد تستند عند صاحبها إلى العقيدة ، وإلى فلسفة حياته العملية ، لتكون المعيار الذي يحكم بواسطته على مختلف الأمور والأفعال الصادرة عنه أو عن غيره . وأساس الحكم هو تلك الثنائية بين : الفضيلة والرذيلة ، وبين الخير والشرّ . فالأخلاق « علم يوضح معنى الخير والشرّ ، ويبيّن ما ينبغي أن تكون عليه معاملة الناس بعضهم بعضا ، ويشرح الغاية التي ينبغي أن يقصدها الناس في أعمالهم وينير السبيل لعمل ما ينبغي » « 1 » . مهما حاول بعض العابثين بالقيم ، والمستهترين بقواعد الخلق ، أن يقولوا بأنه لا يوجد مقياس ثابت لتحديد الخير أو الشرّ الناتج من فعل ما ، وأن المسألة نسبية تختلف من مجتمع إلى آخر ، إلّا أنه يمكننا الردّ عليهم بأن ما تقولون به شكل من أشكال فلسفات الإفساد ، والانحلال الخلقي تنشرونها لأغراض وبنوايا غير بريئة . ولعله ليس أمرا مستعصيا أن نحدّد وببساطة : « الخير والشرّ » . « إن الخير هو الرغبة في ترقية القيم والعمل على النهوض بها ، في حين أن الشرّ هو الحركة المضادة التي تهدف إلى الانتقاص من القيم والعمل على الهبوط بها . وتبعا لذلك فإن ما نسميه باسم خبرة الشرّ يمثّل حركة انحلال أو تدهور ،
--> ( 1 ) أمين ، أحمد ، كتاب الأخلاق ، القاهرة ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر ، ط 6 ، سنة 1953 ، ص 2 .